جارى فتح الساعة......
عاجل

الحرب الأمريكية على هواوى.. لمن ستكون الغلبة؟

الخورى

بقلم / د.م على محمد الخورى


يهتم المراقبون الدوليون منذ عدة شهور وخاصة المعنيين بالاقتصاد الدولي والتكنولوجيا بالخطوات المتتالية التي اتخذتها الحكومة الأمريكية ضد شركة هواوي وكذلك الصين وأين ذهبت ردود الأفعال الصينية وهذه الشركة المتخصصة في مجال التكنولوجيا المتقدمة لتتعامل مع الضغوط الأمريكية الكبيرة عليها وعلى الصين بالتبعية.
كانت البداية عندما بدأت هواوي في تطوير تقنية 5G في عام 2009 واستثمرت أموالاً وجهودًا كبيرة منذ ذلك الحين لتطوير دعم هذه التكنولوجيا في هواتفها الذكية وشرائحها الإلكترونية وأجهزة شبكات الاتصالات. كما واستثمرت الشركة في عامي 2017 و2018، حوالي 1.4 مليار دولار للاستثمار في تطوير منتجات 5G. ومنذ ذلك الحين، تعاقدت الشركة على تنفيذ 46 مشروعاً لتثبيت شبكات الجيل الخامس تجاريًا في مختلف البلدان حول العالم.
الجدير ذكره أن تكنولوجيا الجيل الخامس للاتصالات ستضاعف سرعات الأجهزة التي بين أيدينا لتصل أرقاماً وسرعات غير مسبوقة بما سيسمح باستخدامات لم يتطرق لها الإنسان من قبل. فمن المتوقع أن تصل السرعات لـ 100 جيجا بايت في الثانية وهو ما يمثل حوالي من 20 إلى 100 ضعف القدرات الحالية للشبكات المحلية والدولية، وهنا تكمن أهمية وخطورة هذه القدرات التي امتلكتها شركة هواوي، والتي اعتبرته الحكومة الأمريكية تهديداً صينياً سيمكّن الصين من التحكم بوسائل الاتصالات وشبكات المعلومات، وسيمثل بالتبعية مخاطر أمنية واقتصادية وعسكرية لها وللعالم أجمع.
أدركت هواوي نوايا الحكومة الأمريكية مبكراً – عندما تم اعتقال إبنة مؤسس شركة هواوي بكندا على خلفية اتهامات أمريكية بمخالفات مالية للشركة – وهو ما دعاها للاستعداد بتشكيل تحالفات تقنية دولية لدعم توجهاتها لتتزعم تكنولوجيا الجيل الخامس، وسعت من أجل ذلك لتستعد الشركة منذ ذلك الحين لمراحل بالمستقبل قد تجد نفسها فيه تحت عقوبات تحرمها من مصادر توريد الرقائق الرقمية المتطورة والتي تنتجها شركة إنتل الامريكية والتصميمات الخاصة بهذه الدوائر المتكاملة والتي تنتجها شركة ARM البريطانية بالرغم من الشراكات والتعاون الذي بين هواوي وتلك الشركات وشركات أخرى كثيرة تشكل نسبة مهمة من مكونات المنتجات التي تنتجها هواوي.
وعملت شركة هواوي على تجاوز أهم عائقين نتجا عن العقوبات الأمريكية وهما نظام التشغيل (operating system) كبديل لنظام أندرويد الشهير ومكونات الرقائق الإلكترونية (electronic chips) التي كانت تستوردها من شركات أمريكية وكما أوضحنا فقد تحسبت لهذه الخطوة مبكراً، وهو ما يبرز أهمية تحليل المخاطر وتوقع التغيرات المستقبلية لأي قطاع أعمال يرغب بالاستمرارية والنجاح.
أعلنت هواوي خلال الأسبوع الماضي عن قرب إطلاقها لنظام التشغيل الجديد المسمى هارموني – وهو نظام مفتوح يتيح للمبرمجين التعامل معه مباشرة ونشر تطبيقاتهم عالمياً – وهو الإعلان الذي بث الطمأنينة لدى عملاء هذه الشركة والذين قاموا بشراء أجهزتها ولا سيما الهواتف المحمولة. ويتميز نظامها الجديد بمواصفات تجعله أفضل بكثير من منظومة أندرويد ويتميز بخصائص أكثر أماناً وأقل استهلاكاً للطاقة وأسرع بحوالي 30% من النظام الأقدم، وهواوي بهذا الإعلان تُسعّر من جديد المنافسة وتضع ضغوطاً على شركات كبرى مثل جوجل وأبل، والذي سيتعين عليهما وغيرهما العمل على تحسين مواصفات أنظمة التشغيل الخاصة بها. كما وسيوفر النظام الجديد قدرات كبيرة لتشغيل كافة الأجهزة ولا تقتصر فقط على المحمول، وسيمكن المطورين من تحويل أي تطبيق سابق على أندرويد ليعمل على هارموني من خلال أداة برمجية بسيطة وبلا تعقيد تسمى (ARK Compiler).
وقد تم تصميم نظام هارموني لتشغيل الهواتف المحمولة وأجهزة التلفاز والسيارات الرقمية وذاتية القيادة وغيرها من الأجهزة الإلكترونية المتصلة بالإنترنت، كخطوة لتعزيز استثمارات هواوي في قدرات الجيل الخامس للاتصالات الرقمية والتي أولتها هواوي اهتماماً كبيراً وأحرزت فيه تقدماً ملحوظاً، و سيفتح المجال أمامها لفرص أفضل للتوسع في تطبيقات تقنية إنترنت الأشياء (internet of things) وهي التقنية التي تعد محورية لتطور المجتمعات الرقمية وكل مكوناتها.
وبدأت هواوي بإبرام شراكات مع شركات في الصين تايوان واليابان وكوريا الجنوبية لإنتاج مكونات (معالجات) مشابهة لما يتم تصنيعها من الشركات الأمريكية. فعلى سبيل المثال لا الحصر قامت هواوي ببناء مصنع لتصنيع معالجات الخوادم المركزية فائقة السرعة في مايو الماضي في تايوان، كما وغيرت هواوي من علاقاتها مع الموردين الحاليين، وأصبحت تتجه للتعاقد مع جهات أخرى مستعدة لتحدي الحظر الأمريكي، لتوفير المكونات التكنولوجية لتغطية احتياجاتها بالإضافة للاستثمار الكبير في هذا الاتجاه.
ولعل التساؤل المهم هو عما إذا كانت هواوي ستتمكن من تخطي العقوبات الأمريكية وتستمر كإحدى أكبر الشركات التكنولوجية بالعالم حتى وإن استطاعت تجاوز العائقين الرئيسيين؛ المتمثلين في تطوير نظام تشغيل جديد وإيجاد بديل لتصنيع المكونات التكنولوجية؟
وللإجابة على هذا السؤال يجب أن نعرف أن مبيعات هواوي خلال العام 2018 فقط مثلت ما مقداره ثلث سوق شبكات الاتصالات الرقمية وأن مبيعاتها وحدها من الهواتف المحمولة بلغت أكثر من 206 مليون جهاز محمول، نصفه بالصين وحدها وهي تقف ترتيباً بمبيعات المحمول بالمركز الثاني خلف شركة سامسونج الكورية وتأتي بعدهما بالمركز الثالث شركة أبل الأمريكية، وهو ما يعني أن أنها تحتل حجماً كبيراً بالسوق العالمي لا يمكن تجاهله سواء من الشركات القائمة على التوريد للمكونات أو المبرمجين والمطورين للحلول التقنية.
كما أن العديد من الشركات الأمريكية استمرت في علاقتها مع هواوي، واستغلت بعض الثغرات القانونية الأمريكية لتستمر في التوريد وتحافظ على حجم مبيعاتها بالسوق، حيث تسمح قوانين التصدير وإعادة التصدير الأمريكية الحالية للشركات حتى وإن كان هناك حظر بتزويد هواوي مثلاً بالمنتجات، طالما لم يتم تصنيعها في أمريكا ولا تحتوي على مكونات أمريكية أكثر من 25%. وهذا الموقف يدل على عدم استعداد الكثير من الموردين والمطورين من التخلي عن حجم الطلب الضخم من الشركات الصينية في السوق الرقمي العالمي.
من ناحية أخرى فالمعلوم أن الصين كدولة لن تترك إحدى أهم شركاتها التكنولوجية تعاني لوحدها، ولا سيما أن خطط التحول الرقمي الصيني تعتبر من الخطط الأكثر جسارة وتطلعاً بالعالم، والتي تسعى لتحول أكثر من نصف دخلها ليكون من التكنولوجيا الرقمية خلال الأعوام العشر المقبلة، بالإضافة إلى أن الصين تستثمر بالفعل بهذه الشركة وهي لها بمثابة أمن اقتصادي وقومي صيني وعمود فقري تعتمد عليه لتحقيق رؤيتها الاستراتيجية الرقمية والاقتصادية. لذا فمن المرجح بأن الصين لن تدع الولايات المتحدة الامريكية تعرقل عمل شركتها الذهبية.
كما أن الشركات الأمريكية الكبرى تعتمد على الصناعة الصينية مثل شركة أبل والتي تستثمر عشرات المليارات بالصين وتنتج الكثير من منتجاتها من مصانعها بالصين، وهذا التداخل الكبير بين القوتين الاقتصاديين الأكبر بالعالم يضعنا أمام صراع محفوف بالمخاطر في حال خروجه عن المنافسة المنطقية، وذلك نظرا لتداعي هذه الآثار على العالم كله، وقد ظهرت بالفعل أعراض الإجراءات الأمريكية الحالية في تراجع وتباطؤ الاقتصاد العالمي وهو الأمر الذي يحذر منه العديد من الاقتصاديين.
إننا نرى أن جسامة الخسائر التي ستقع على الطرفين سواء كانت أمريكا أو الصين ستكون سبباً رئيسياً لتراجع هذه الحملات والعقوبات الأمريكية ضد الصين وضد شركة هواوي، وأن لغة المصلحة ستتغلب على لغة الاستقواء والغلبة. كما نرى أن الموقف الذي تقف فيه هذه الشركة الصينية قد تخطى قدرة الإضرار بها من خلال إجراءات عقابية وحصار تجاري، وأنها قد بلغت من القوة والمعرفة ما يجعل مثل هذا الإجراء بلا قيمة كبيرة. فهل تلجأ القيادة الأمريكية لإجراءات غير تجارية لإيقاف التفوق الصيني كنتيجة لعدم فعالية ما تتخذه من إجراءات حظر تجاري على شركة هواوي أو فرض جمارك كبيرة على الصين؟
كما أوضحنا، فإن التقديرات العقلانية تشير أن هذا الشد والجذب سيؤدي بالنهاية لحل وسط وتهدئة، ولا يوجد بديل لهذا الحل إلا التسليم الكامل بانتقال القوة الاقتصادية الأكبر لتصبح بيد الصين خلال العشر سنوات المقبلة، أو قد تضطر أمريكا لتواجه الصين بطرق أخرى غير تجارية، وهذا ما ستكشفه الأيام!

عن admin

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*