جارى فتح الساعة......
عاجل

الزراعة تسد الجوع ، والصناعة توفر الاحتياجات . . لكن التعليم يزرع ويصنع وطناً ( الجزء الثاني )

الباحث السياسى دكتور حسن صابر


بقلم : دكتور / حسن صابر

كما لاحظت أنه في البرامج الحوارية أو ما تسمى ب Talk Show ، وصلت الأخطاء في كتابة وقراءة اللغة العربية إلى حدِّ أن بعض المذيعات والمذيعين الذين نستمع إليهم كل ليلة لا يعرفون من قواعد اللغة العربية إلا القليل ، ويتضح ذلك عندما يضطرون لقراءة وثيقة أو بيان ، لأن معظمهن كُنَّ صحفيات ، أو كانوا صحافيين عملوا في الصحف القومية والخاصة ، وعندما يخطئون في كتاباتهم يتولى المصححون اللغويون الذين يعملون في هذه الصحف تصحيح أخطائهم قبل النشر ، لكن على الهواء مباشرة لا يوجد مصححون ، فينكشف المستور من ضعفهم في اللغة العربية وجهلهم بها . . نفس المشكلة في التقارير الإخبارية من المراسلين للمحطات الفضائية ، كذلك في الترجمة العربية التي تطبع على شريط الأنباء في أسفل الصورة التليفزيونية ، كما تمتد هذه الأخطاء إلى الترجمة العربية التي تطبع على الأفلام والمسلسلات الأجنبية ، ورحم الله شركة ” أفلام أنيس عبيد ” التي طبعت الأفلام ، وتَرْجَمَتَها إلى اللغة العربية ترجمةً صحيحةً دون أخطاء ، وبقيت هذه الأفلام الأبيض والأسود والملونة واضحةً صورةً وصوتاً وترجمةً حتى يومنا هذا رغم مرور أكثر من مائة عامٍ على إنتاجها ،

ولم تتدهور طباعتها كما حدثت في أغاني أم كلثوم ، وعبد الحليم حافظ ، وفريد الأطرش ، وغيرِهم من المغنيين والمغنيات ، كذلك تدهورت بعض اللقاءات الدينية والسياسية والفنية ، وخطابات الرؤساء عبد الناصر والسادات ومبارك . . لا تتصوروا مدى حزني الشديد على الحالة المتردية التي وصلت إليها خطابات الرئيس السادات خلال نصر أكتوبر عام الفٍ وتسعمائةٍ وثلاثةٍ وسبعين ١٩٧٣ . . إنها لحظات خالدة في تاريخ مصر كان يجب أن نحافظ على تسجيلاتها المرئية والصوتية . لا أريد أن أحصر هذه الكارثة في شخص مذيعة أو مذيع ، فالشخصنة لن تنفع ولن تقدم حلولاً ، لكني في نفس الوقت لا أستطيع أن أتجاهل الأخطاء اللغوية أو الجرائم التي يرتكبها بعضٌ من المذيعين أو ترتكبها بعضٌ من المذيعات أثناء قراءة نشرة الأخبار . . مذيعة في التليفزيون المصري تتميز بوجه مشرق وحضور قوي على الشاشة . . كانت مذيعة ربط بين البرامج ، ثم تحولت إلى البرامج الحوارية . . لا مشكلة لغوية في هذا الأمر ، لكنها للأسف الشديد تحولت إلى قارئة نشرة . . وهنا كانت الكارثة فهى لا تجيد القراءة ، ولا تعرف شيئاً من قواعد اللغة العربية ، فكيف تقدم نشرات إخبارية ؟ من الذي سمح لها بهذا التحول من مذيعة ربط إلى مذيعة برامج حوارية ، إلى أن أصبحت قارئة نشرة . . هل هذا هو مستوى المسئولين في التليفزيون المصري ؟ ، وهل ذلك هو مستوى من سمح لها بهذا التحول ؟ أخشى أن قراءة هذه المذيعة هو مستواهم الحقيقي في اللغة العربية ، فلا يستطيع رؤساؤها أن يفرقوا بين الغثِّ والسمين في القراءة والقواعد . . لم يصحح لها أحد اسم وزير خارجية إيران الذي نطقته ( جَوَّاد ) ظريف بتشديد الواو ، وكررت نطق الإسم بنفس الطريقة مرتين . . لم يخبرها أحد أن الإسم يجب أن ينطق ( جَوَاد ) بفتح الواو وليس تشديدها ، فهناك فارق كبير جداً بين ( جوَّاد ، وجَوَاد ) . . جوَّاد بتشديد الواو كلمة سيئة تعني قوَّاد وظيفته تسريح العاهرات . . بينما حين ننطقها سليمة فهى جَوَاد ( بفتح الواو ) أي كريم معطاء . . تخيلوا الفارق الكبير في المعنى . .

وللأسف الشديد فهذا الخطأ اللُغَوي هو واحدٌ من الأخطاء الشائعة في نطق العربية خاصة في مصر . إن اللغةَ العربيةَ لغةٌ غنيةٌ جداً ودقيقةٌ جداً . . حركة التشكيل على نفس الكلمة تغير المعنى تماماً . . انظروا مثلاً إلى قول الله ( إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ ) فاطر/28 . . الفاعل هنا : ( العلماءُ ) فهم أهل الخشية والخوف من الله ، واسم الجلالة ( الله ) : مفعول به مقدم . . فلو لم ننتبه إلى الفتحة فوق لفظ الجلالة لربما قرأناها ” إنما يخشى الله ُ من عباده العلماءَ ” وذلك لعمري خطأٌ كبير فالله لا يخشى أحداً ، فكيف يخشى العلماءَ . . لكن الفتحة فوق لفظ الجلالة تشير إلى أن اللهَ مفعولٌ به منصوب بالفتحة أي أنه سبحانه هو الذي يُخْشَى منه ، والفاعل هنا هم العلماءُ ، فهم الذين يخشون الله . . مثال آخر للدقة التي يجب أن نلتزم بها فعند كتابة رؤيا فالمقصود هنا الحلم أثناء النوم ، أما كلمة رؤية فالمقصود بها المشاهدة بالعين . ولست هنا في مجال تركيز الأضواء على كنوز اللغة العربية ، فذلك يستدعي أكثر من كتاب . . لكني فقط أذكر رؤوس موضوعات من هذه الكنوز . . في الحقيقة أنا لا ألوم هؤلاء الأشخاص الذين لا يجيدون قواعد اللغة العربية ، فهم ضحايا لمنظومة تعليمية متدنية وفاشلة في مصر ، لا تشمل اللغة العربية فقط ، بل تشمل كل فروع العلم والمعرفة ، وضحايا لتدهور مستوى التعليم في مصر ، وبتنا متخلفين عن دول كنا نرسل إليهم المعلمين والمعلمات لتدريس اللغة العربية وغيرها من العلوم ، وللأسف الشديد أصبح التعليم الآن في مصر هو اكتساب مقدرة اجتياز الامتحانات حتى ولو بالغش . لا أذكر إسم رئيس وزراء واحد كان يجيد اللغة العربية ، أما الوزراء فحدث ولا حرج ، كذلك معظم الأطباء والمهندسين ، والإعلاميين خاصة المذيعين والمذيعات في البرامج الحوارية . ورغم أني لست من المتحمسين لإنخراط الجيش في الحياة المدنية بمصر ، إلا أن إنجازات الهيئة الهندسية التي تمت على أيدي الفريق كامل الوزير ورجاله الأبطال يمكن أن تمتد إلى بناء مدارس جديدة حديثة في تجهيزاتها ، وتمتد أيضاً إلى إصلاح المباني المدرسية القديمة حتى تناسب مستوى التعليم الذي نتطلع إليه .

عن admin

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*