جارى فتح الساعة......
عاجل

من ذكريات الماضي القريب ( 1 ) الشعور بالذنب

بقلم /  دكتور حسن صابر

كان أبي رحمه الله يعشق ليلة العيد ، ويطيب له أن يضع أغنية أم كلثوم ” يا ليلة العيد ” ، ويضئ كل أضواء البيت ، ونبقى الليل كله سهرانين فرحين . . وبعد صلاة الفجر نلبس ملابسنا الجديدة ونتجه إلى المسجد لنكبر تكبيرة العيد المصرية الجميلة ثم نصلي صلاة العيد ، وعند عودتنا إلى البيت نجد أمي الحبيبة رحمها الله تستقبلنا عند الباب . . كانت تحتضنني برفق وحنان وتقبلني مهنئة بالعيد ، ثم تصطحبنا إلى مائدة الطعام لنفطر الكبدة المحمرة مع الخبز المصري الجميل وسط أجواء من السعادة والبهجة . . كنا نريد أن نفرح ونشعر أن أيام العيد ليست كباقي أيام السنة .

هذه هى طقوسنا في ليلة العيد وصباح أول أيام العيد ، وأعلم أنها نفس الطقوس في كل البيوت المصرية . . لكني ذكرتها لتشاركوني ذلك الحنين إلى الماضي القريب . . يوم أن كانت هناك أسرة . . الشوق إلى أبي وأمي يغلي بين ضلوعي . . كم إشتقت إلى يدك الحانية يا أبي لتمسح جبيني . . كم إشتقت إلى حضنك يا أمي ألتمس فيه الهدوء والطمأنينة والحنان .

شاءت ظروفي ألا أستطع العودة إلى مصر في الساعات الأخيرة من حياة أمي ، وكانت ترقد على سريرها بالمستشفى تسأل عني من وقت لآخر ، وذهبت في نصف غيبوبة ، عندما تفيق منها كانت تسأل إن كنت وصلت لها أم ليس بعد ، ثم تعود إلى الغيبوبة ، وفي إحدى المرات القليلة التي أفاقت فيها ، وجدت طبيباً يرتدي البالطو الأبيض فتهلل وجهها فرحاً وقالت له حسن حبيبي الحمد لله أنني رأيتك قبل أن أموت . . وبعدها بقليل توفيت إلى رحمة الله . . يا وجع قلبي . . لم أكن أنا ذلك الطبيب ذو البالطو الأبيض ، لكنه كان أحد زملائي ، وقد حسبته أنا .

عندما كنت أحتاج شيئاً لا أجد سوى حضن أمي أجد فيه ما أحتاج إليه . . عندما كنت في الثانوية العامة وفي كلية الطب كانت تسهر الليل كله قريبة من المكان الذي أذاكر فيه دروسي خشية أن أحتاج شيئاً ولا أجد من يوفره لي . . هذه هى أمي ، وعندما إحتاجت لي لم تجدني . . إحتاجت فقط أن تراني وتلمس يدي وتقبلني قبل أن ترحل عن الحياة ، ومع ذلك لم تراني بعد كل ما فعلته في حياتها من أجلي . . ورغم أنه لم يكن خياراً لي ألا أعود لمصر في فترة مرض أمي الحبيبة إلا أنني لن أسامح نفسي ، وسأبقى مذنباً حتى ألحق بها قريباً في الحياة الأخرى لتخبرني أنها سامحتني .

أتمنى لكم عيداً سعيداً ، وكل عام وأنتم بخير .

عن admin

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*